الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

54

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

الرواة - وأمر أن يصنع لهم طعام ، فخذ شاة مع مدّ من برّ ، وان يعدّ لهم صاع من اللبن ، وقد كان الرجل منهم معروفا بأكل الجذعة في مقام واحد ، وبشرب الفرق من الشراب في ذلك المقعد ، فأراد النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بإعداد قليل الطعام والشراب لجماعتهم إظهار الآية في شبعهم وريّهم ممّا كان لا يشبع واحدا منهم ولا يرويه ، ثمّ أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بتقديمه لهم . فأكلت الجماعة كلها من ذلك اليسير حتى تملّوا منه ، ولم يبن ما أكلوه منه وشربوا ، فبهرهم بذلك ، وبيّن لهم آية نبوتّه ، وعلامة صدقه ببرهان اللّه تعالى . ثم قال لهم بعد أن شبعوا من الطعام ورووا من الشراب : يا بني عبد المطّلب إنّ اللّه بعثني إلّى الخلق كافّة ، وبعثني إليكم خاصّة . فقال وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ وأنا أدعوكم إلى كلمتين خفيفتين على اللسان ثقيلتين في الميزان تملكون بهما العرب والعجم ، وتدخلون بهما الجنّة ، وتنجون بهما من النار « شهادة الّا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه » . فمن يجيبني إلى هذا الأمر ، ويوازرني عليه ، وعلى القيام به يكن أخي ووصيّي ووزيري ووارثي وخليفتي من بعدي . فلم يجبه أحد منهم . قال أمير المؤمنين عليه السلام : فقمت بين يديه من بينهم ، وأنا أصغرهم سنّا ، واحمشهم ساقا ، وأرمصهم عينا . فقلت : أنا يا رسول اللّه اوازرك على هذا الأمر . فقال : اجلس . ثم أعاد على القوم القول ثانية ، فاصمتوا . فقمت أنا وقلت مثل مقالتي الأولى فقال : اجلس . ثم أعاد على القوم ثالثة . فلم ينطق أحد منهم بحرف . فقمت وقلت : انا اوازرك يا رسول اللّه على هذا الأمر فقال : اجلس . فأنت أخي ، ووصيي ، ووزيري ووارثي ، وخليفتي من بعدي . فنهض القوم ، وهم يقولون لأبي طالب : « ليهنأك اليوم ان دخلت في دين